تفسير رؤية الدنيا في المنام لابن سيرين والنابلسي ومعانيها
تعرف معنى رؤية الدنيا في المنام عند ابن سيرين والنابلسي: رموزها كالمرأة والأرض والبحر، ودلالات الإقبال والإدبار، ونصائح لموازنة الدنيا والآخرة.
تفسير محمد بن سيرين
وفقًا لـمحمد بن سيرين في كتابه تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان, 2016)، قد تُمثّل "الدنيا" في المنام بعدة رموز. فيشير ابن سيرين إلى أن المرأة العجوز، القبيحة، أو الناقصة، أو ذات العيب المجهولة، قد تكون رمزاً للدنيا ورأس كل فتنة، حيث تجلت الدنيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة امرأة [1]. ويضيف المصنّف أنه إذا كانت هذه المرأة جميلة ونظيفة وزاهدة، فإنها تدل على الآخرة وما يقرب منها، إذ إن الدنيا والآخرة ضرتان، إحداهما أعظم من الأخرى [1]. ويذكر محمد بن سيرين أن الدنيا الذاهبة، والأرض الميتة، والدار الخربة، هي نفسها أو شبيهتها أو نظيرتها [1]. ويرى ابن سيرين أن البحر قد يدل على الدنيا وأهوالها، حيث يعزّز أحداً ويموّله، ويفقّر آخر ويقتله [2].
ويوضح المؤلف أن الرض قد تدل على الدنيا لمن ملكها، وذلك بحسب اتساعها أو ضيقها [3]. ومن قوله، فإن مقارنة الأرض بالسماء، حيث الأرض أدنى والسماء أعلى، تشبه قرب الدنيا وتأخير الآخرة، خاصة وأن الجنة في السماء [3]. ويفيد ابن سيرين أن اتساع السوق الدنيا واتساع السوق بشكل عام يدل على اتساع الدنيا [4]. كما أن الحانوت، وهو كل مكان يستفيد فيه المرء في دنياه وأخراه، يدل على ذلك [4]. ويرى المؤلف أن الخان (الفندق) قد يدل على دار الدنيا، لأنها دار سفر يرحل منها قوم وينزل آخرون [4].
وورد عن محمد بن سيرين تأويله للمرج بأنه الدنيا وغضارتها، حيث وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها "خضرة حلوة" [5]. وأخيراً، يشير ابن سيرين إلى أن القنطرة المجهولة، خاصة إن كانت بين المدينة والجبانة، تدل على الدنيا، لأنها تعبر ولا تعمر [6].
تفسير عبد الغني النابلسي
وفقًا لـعبد الغني النابلسي في كتابه تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية, 2017)، فإن رؤية الدنيا في المنام تدل على اللهو واللعب والغرور والمكايد ونقض العهد والتعب والنصب والشقاء وإخلاف الوعد [7]. كما يمكن أن تشير إلى الزوجة والمال والولد [7]، وتدل على الحرث والربح منه، وعلى الأنعام والفائدة منها [7].
ويبيّن النابلسي أن الدنيا قد تعني المحط للرحيل، والدار، والخراب، والمرأة الدنية [7]. وتشمل دلالاتها أيضًا الأوصاف والأمراض، والمغرم، والضنك، والهوان، والعزل، والتولية، والرشد، والغي، والنصرة، والمحبوبة، وذات الوجهين [7].
ويشير المؤلف إلى أنه إذا ظهرت الدنيا في صورة جميلة، فهي على ما ظهرت عليه. أما إذا ظهرت في صورة قبيحة، فهي عناية من الله تعالى بالرائي [7]. فمن أدبر عنها، فقد زهد فيها. وإن عانقها أو جامعها، نال منها قصده. وإذا طلبها وهي تهرب منه أو تمانعه، دل ذلك على فتنة فيها وكثرة تعبه في تحصيلها [7].
يرى النابلسي أنه من رأى أن الدنيا استوت له ومهما طلب وأراد حصل له، فإنه يفتقر ويهلك [7]. وإن ترك الإنسان الدنيا في المنام، فإنه يطلق زوجته [8]. وإذا هلك العالم كله ولم يبق فيه سواه، فإنه يعمى [8].
كما يفيد المؤلف بأن الدنيا هي في المنام امرأة، كما أن المرأة في المنام دنيا [8]. وقد تشير الدنيا إلى المصحف، لأن القرآن هو بدر الدنيا [7]. ويُعبر بالمدينة المعروفة في المنام عن الدنيا بالنسبة للرائي [9].
تفسير منصة مفاتيح المنام (الذكاء الاصطناعي)
التأويل (الخلاصة):
لفظة واحدة مثل: "الدنيا" دون وصف لما رأيتَ أو سمعتَ أو شعرتَ به في المنام لا تكفي لوضع تأويل محدَّد لرؤيا بعينها، لذلك لا أستطيع أن أُعبِّر لك حُلمًا كاملاً من هذه الكلمة فقط.
لكن إن كان ما رأيتَه هو ظهور كلمة "الدنيا" أو شعور قوي بها في المنام، فالغالب – عند أهل التعبير – أن فيه تذكيرًا بحقيقة الدنيا وزوالها، وتنبيهًا لك لمراجعة درجة التعلّق بها، والاتّزان بين طلب المعاش وبين الاهتمام بالآخرة، فتميل دلالته إلى النُّصح والإنذار أكثر من البشارة، بحسب حال الرائي وواقعه.
أولًا: الرموز والمعاني المحتملة لـ "الدنيا" في الرؤى
-
الدنيا في الوحي:
- قال تعالى:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: 32]،
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
فالأصل الشرعي يقرر أن الدنيا لعب ولهو ومتاع غرور إذا نسِيَ العبدُ الآخرة. - وفي الحديث: «إن الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن الله مُستخلِفُكم فيها فينظر كيف تعملون» متفق عليه، فالشكل "الحلو الخَضِر" للدنيا في الرؤى يُفهم عند المعبّرين على أنه إقبال النِّعَم واختبار فيها، لا مدحٌ لها في ذاتها.
- قال تعالى:
-
رموز تُعبِّر عن الدنيا عند أهل التعبير:
- الأرض الواسعة: النابلسي يذكر أن الأرض في المنام تدل على الدنيا على قدر سعتها وضيقها؛ فاتساعها سعةُ عيش وضيقها ضيقُ معيشة.
- المرأة العجوز أو المرأة المجهولة: جاء في كتاب تعطير الأنام أن المرأة العجوز غالبًا ما تؤول بالدنيا، وأن المرأة في المنام تُستعمل رمزًا للدنيا وزينتها في مواضع كثيرة.
- المرج الأخضر: النابلسي صرّح أن المرج في المنام هو الدنيا وزينتها وأموالها وزخرفها، وأن من انتقل من مرج إلى مرج سافر في طلب الدنيا وانتقل من سوق إلى سوق، وهذا يتفق مع وصف النبي ﷺ لها بأنها «خَضِرَةٌ حُلْوَة».
- النساء مجتمعَات: قال النابلسي: رؤية النساء في المنام تدل على زينة الدنيا، فمن رآهن أقبلن عليه أقبلت عليه الدنيا، ومن أدبرن عنه افتقر وانقبضت دنياه.
- السراب: يذكر النابلسي أن السراب في المنام قد يدل على الميل إلى الدنيا وزينتها، والسعي خلف أمر باطل لا يتم، والتمنِّي لما لا يُدرك.
هذه الأمثلة توضّح لك كيف تُجسَّد "الدنيا" في الرؤى بصور مختلفة عند المعبّرين، وكلها تلتقي على معنى: الزينة المؤقتة، والاختبار، والغفلة إن استولى التعلّق بها على القلب.
-
معنى ظهور "الدنيا" كمجرد لفظة أو إحساس عام في المنام:
- إذا ظهر لك لفظ "الدنيا" مكتوبًا أو سمعته في الحلم أو استولى الإحساس بها على قلبك دون صورة واضحة، فالأصل أنه:
- تذكير بحقيقتها (زائلة، قصيرة).
- أو تحذير من الإفراط في الانشغال بها إن كنت منغمسًا في هموم المال، والعمل، والمتع.
- أو تنبيه لإعادة ترتيب الأولويات إن كان في واقعك ميل ظاهر للدنيا وتقصير في أمر دينك.
- إذا ظهر لك لفظ "الدنيا" مكتوبًا أو سمعته في الحلم أو استولى الإحساس بها على قلبك دون صورة واضحة، فالأصل أنه:
ثانيًا: الربط بالثقافة العربية والإسلامية
في الموروث الإسلامي والعربي:
- الدنيا توصف بأنها:
- "دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرٍّ"،
- "مزْرعةُ الآخرة"،
ويُربّى المسلم على الزهد فيها من جهة القلب لا من جهة تعطيل العمل وطلب الرزق.
- عند أهل التعبير:
- كل ما كان من الزينة، والمال، والخصب، والأسواق، والنساء، والمرج، واتساع الأرض… يُرد في الغالب إلى معنى الدنيا وإقبالها أو إدبارها.
- وكل ما كان من الخراب، والضيق، والسراب، والزلازل، والابتلاع في الأرض، ففيه جانب من التنبيه إلى هشاشة الدنيا، أو فساد الكسب، أو سوء العاقبة لمن يركن إليها. ظهور "الدنيا" كلفظة في الرؤيا إذن ينسجم مع هذا المعهود: رسالة مختصرة تُحيلك إلى كل هذه المعاني التي تعرفها عنها في الشرع والثقافة.
ثالثًا: البُعد النفسي والحياتي المحتمل
من جهة نفسية وعملية، يمكن فهم مثل هذا المنام على وجوه، بحسب حالك الواقعي (وأنا لا أقطع بشيء لعدم معرفته، بل أذكر الاحتمالات الأقرب):
-
إن كنتَ مهمومًا بالرزق والعمل والمادة:
- قد يكون المنام انعكاسًا لهمِّك، في الصورة التي يسميها أهل العلم "حديث نفس": ما يشغل القلب في اليقظة يظهر في المنام.
- لكنه قد يحمل فوق ذلك رسالة تهذيب: أن لا تترك طلب الرزق يطغى على صلاتك وذكرك وصلتك بأهلك.
-
إن كنتَ في حال غفلة أو تقصير في العبادة:
- فظهور "الدنيا" قد يكون نوع إنذار رحيم: أن انتبه، لا تجعل الدنيا تسرق عمرك؛ تذكّر قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ…﴾، وأن وراءها آخرة هي دار القرار.
-
إن كنتَ زاهدًا أو في مرحلة تحوّل ديني (توبة أو التزام):
- في هذه الحال قد يكون المنام تثبيتًا لمعنى الزهد، وتوكيدًا لك أن ما تركتَه من شهواتٍ ومتاعٍ دنيوي لا يُقاس بما أعدّه الله لك في الآخرة، فيُستفاد منه تشجيع على الثبات.
-
إن كنتَ في ابتلاء من فقر أو مرض أو همّ:
- ربما يكون معنى "الدنيا" هنا: أنها دار بلاء وامتحان، وأن ما أنت فيه جزء من طبيعتها، فيدعوك المنام للصبر والاحتساب، وعدم قياس فضل الله عليك بحالك الدنيوي فقط.
رابعًا: ضوابط مهمة ونصيحة عملية
- بما أن ما ذكرتَه لي هو كلمة واحدة فقط، فالمنهج المنضبط يقتضي:
- الاعتذار عن الجزم بتأويل معيَّن؛ فالتعبير ظنٌّ واجتهاد، ولا يجوز أن أحمِّل رؤياك حُكمًا خطيرًا أو قرارًا مصيريًّا.
- الاكتفاء بفهمها على أنها إشارة عامة تقرِّبك من الله ولا تُدخلك في وساوس.
- لا تُعلِّق قلبك بالدنيا:
- احفظ قلبك من الإفراط في الطمع، ومن الغفلة عن الصلاة والذكر وحقوق الناس.
- راقب: هل من بعد هذه الرؤيا تحسّنت علاقتك بالطاعة، أو زاد تفكّرك في الآخرة؟ إن كان نعم فهذا من علامات الرؤيا النافعة.
- اجعل هذا المنام – إن استقر في قلبك – مناسبة لمراجعة نفسك:
- صلاتك، مالك: من أين؟ وفي ماذا يُصرف؟
- علاقاتك: هل تُرضي الله أم لا؟
- وقتك: كم منه للدنيا، وكم منه لما ينفعك في الآخرة؟
في الجملة:
هذه الكلمة في المنام، مع قِلّة التفاصيل، يمكن أن تُفهم على أنها لافتة كبيرة تقول لك:
"انتبه لعلاقتك بالدنيا… واجعلها في يدك، لا في قلبك، ووازن بينها وبين آخرتك."
والله أعلم.
المراجع
[1] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016)، ص. 255. ISBN: 9789953724072.
[2] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016). ISBN: 9789953724072.
[3] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016)، ص. 172. ISBN: 9789953724072.
[4] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016)، ص. 188-189. ISBN: 9789953724072.
[5] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016)، ص. 229-230. ISBN: 9789953724072.
[6] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016)، ص. 192. ISBN: 9789953724072.
[7] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 408-409.
[8] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 407-408.
[9] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 1196-1198.
عن المصادر
الكتاب المنسوب لابن سيرين هو مدونة تفسيرية جُمعت عبر أجيال، ونسبتها لابن سيرين محل خلاف بين المحققين.
