الوباء في المنام: تفسير ابن سيرين والنابلسي ودلالاته
تعرّف على تفسير رؤية الوباء في المنام عند ابن سيرين والنابلسي: دلالاته على البلاء العام والسلطان والضيق المعيشي، ومعانيه النفسية ونصائح عملية للرائي.
تفسير محمد بن سيرين
وفقًا لـمحمد بن سيرين في كتابه تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان, 2016)، لا يوجد تفسير مباشر لمصطلح "جائحة فيروس كورونا". إلا أن المؤلف يورد تفسيرات مرتبطة بالأوبئة والطواعين وما شابهها من البليات العامة.
ويفيد محمد بن سيرين أن "الوباء" قد يسبب للقلق والاضطراب واصفرار الوجوه لهول ما يتركه من إفساد وتلف [1]. وينبه إلى أنه قد يدل على صحة عظيمة وإمرة كبيرة، أو على هلاك ودُمَار [1]. ويشير ابن سيرين إلى أن ظهور الوباء في المنام قد يدل كذلك على قدوم سلطان جائر، أو على ما سوى ذلك من الحوادث المشهورة كالموت الشنيع والحريق والهدم [1]. وأضاف أن دخول السيل إلى المدينة قد يدل على الوباء إذا كان الناس في شدة، أو كان لون الماء كلون الدم أو كدرًا [1].
ويوضح محمد بن سيرين أن الرياح الشديدة والمطبقة إذا قلعت الشجر وهدمت الجدار وطيرت الناس أو الدواب أو الطعام، فإنها تدل على بلاء عام في الناس، كطاعون أو سيل أو فتنة أو غارة أو سبي أو جور [2]. ويرى ابن سيرين أن رؤية "الطاعون" في مدينة ما تدل على عذاب من السلطان [3]. ويذهب إلى أن الطاعون قد يدل كذلك على سفر عام في الناس أو على مغرم يجري من السلطان [3].
وفي سياق متصل، يذكر محمد بن سيرين أن النفخة الثانية، إذا وقعت في الوباء، فقد تدل على حياة الخلق أو على نداء السلطان للناس [3]. ومن جانب آخر، يربط ابن سيرين بين المطر والجوائح النازلة من السماء كالجراد والبرد والريح، ويقول إن المطر أحيانًا قد يدل على الفتن والدماء تسفك، سيما إن كان ماؤه دمًا، أو دل على العلل والسقام والجدري والبرسام إن كان في غير وقته [2].
تفسير عبد الغني النابلسي
وفقًا لـعبد الغني النابلسي في كتابه تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية, 2017)، لم يرد تفسير مباشر لمصطلح "جائحة فيروس كورونا" بحد ذاته في النصوص المقدمة. إلا أن المؤلف يقدم تأويلات لمفاهيم مرتبطة كالأمراض العامة والأوبئة.
ويبيّن النابلسي أن رؤية الناس كلهم مرضى ولا أحد يمشي في حوائجهم تدل على حصر البلد [4]. ويرى المؤلف أن المرض العام في الناس دليل على القحط وكساد المعاش، وربما دل ذلك على النفع للأطباء وأرباب الأكفان [5]. كما يشير النابلسي إلى أن الزلزلة قد تدل على اضطراب الناس بسبب أمراض بالنافض مع السلامة من الموت [6].
ويذهب عبد الغني النابلسي إلى أن رؤية السهام تنزل من السماء، إذا كانت في سياق الطاعون، تدل على أن أبوابه قد انفتحت على الناس [7]. ويفيد النابلسي أن شرب الموتى للمياه العذبة من الآبار يتبعه وباء عظيم [8]. ويربط المؤلف وقوع الطاعون في بعض الأحيان بحدوث الرعد في مواقيت معينة، كوقوعه في الروم إذا كان الرعد في حزيران، أو في الأتراك والغنم إن كان الرعد في أيام من أيار [9].
تفسير منصة مفاتيح المنام (الذكاء الاصطناعي)
التأويل المختصر (خلاصة التعبير)
رؤية الوباء في المنام – من غير تفاصيل أخرى – تميل عند أهل التعبير إلى أنه رمزٌ لبلاءٍ عام أو أذى يشمل جماعة من الناس، يكون غالبًا من جهة سلطان أو نظام أو ظرف عام (كضيق معيشي، أو قرارات متعبة، أو ظلم، أو قهر)، وقد يدل للرائي خصوصًا على همومٍ وضيقٍ يشاركه فيها غيره، لا تنحصر به وحده، مع احتمال أن يكون فيها تكفير للذنوب ورفع للدرجات إذا صبر واحتسب.
أولًا: تحديد الرمز الرئيس في رؤياك
أنت ذكرت كلمة واحدة: "الوباء"؛ فالمحور هنا هو:
- معنى الوباء نفسه كرؤية أو كلفظ في المنام.
ثانيًا: المعنى في التراث الإسلامي وكتب التعبير
-
تصنيف الوباء والطاعون في الرؤى
- ابن سيرين يذكر أن النفخة الأولى في الصور قد تدل في المنام على الطاعون أو سفرٍ عام أو نداء السلطان في البعوث، ويذكر بعدها مباشرة أن الطاعون إذا رؤي في مدينة فهو عذاب من السلطان، وربما دلّ على سفرٍ عام في الناس أو مغرم من السلطان.
- وهذا من أقرب ما يكون لمعنى الوباء؛ لأنه مرض عام يصيب جماعات، ويُلحَق بالطواعين في المعنى.
- النابلسي نصّ على أن الطاعون في المنام: عذاب من السلطان، وربما دلّ على القبر أو الحرب أو البدع لكثرة الموت، ومن رأى أنه وقع في بلدة طاعون حدثت فيها حرب وهلاك.
- ثم أفرد النابلسي بابًا لكلمة "الوباء" نفسها فقال: “الوباء في المنام أذى ينـزل بالناس من السلطان من سجن أو قصد بالشر” . وهذا نصّ صريح في الرمز.
-
الرموز المساعدة المرتبطة بالوباء في الكتب
- ذكر النابلسي أن المرض العام في الناس دليل على القحط وكساد المعاش ، وهذا من آثار الأوبئة عادة في الواقع، مما يثبّت العلاقة بين الوباء وبين الضيق المعيشي العام.
- وذكر أن السيل إذا دخل المدينة، وكان لون مائه كلون الدم أو كدرًا، دلّ على الوباء ، وكذلك قال ابن سيرين في السيل إذا دخل مدينة والناس في شدة أو كان كالدَّم أنه يدل على الوباء ؛ فجمعا على أن الوباء نوع بلاء عام يشار إليه برموز الجرف والهجوم الشامل.
-
ضوابط شرعية عامة
- الوباء والطاعون في الواقع جاء فيهما حديث النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا… إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ» (صحيح البخاري).
- فهذا يعطينا بعدًا إيجابيًّا في تأويل البلاء: قد يكون المنام تذكيرًا بالصبر والاحتساب لا مجرّد تهويل.
ثالثًا: الربط النفسي والحياتي
-
كرمز لبلاء عام وضغوط مشتركة
بناءً على النصوص السابقة، الوباء في المنام:- يدل على بلاءٍ أو أذى جماعي أكثر من كونه أمرًا فرديًّا؛ كأن يكون البلد أو بيئة الرائي تمرّ بمرحلة:
- تضييق من جهة سلطة، سجن، ملاحقات، أو قرارات قاسية.
- أو أزمات معيشية، غلاء، بطالة، كساد، توتر عام بين الناس.
- وقد يكون الحلم انعكاسًا لمشاعر الرائي تجاه ما يراه حوله من اضطراب وخوف، فيتجسّد له في صورة وباء.
- يدل على بلاءٍ أو أذى جماعي أكثر من كونه أمرًا فرديًّا؛ كأن يكون البلد أو بيئة الرائي تمرّ بمرحلة:
-
الوباء كترجمةٍ نفسية للقلق والخوف من المستقبل
- الوباء بطبيعته يرمز إلى شيء غير مرئي، سريع الانتشار، صعب السيطرة، وهذا قريب جدًّا من:
- القلق من المستقبل المجهول.
- الخوف من الأخبار المزعجة والأزمات (اقتصادية، اجتماعية، سياسية).
- من الناحية النفسية: يمكن أن يكون الحلم من نوع حديث النفس؛ خاصةً إن كنت منشغلًا بأخبار الأمراض أو الجوائح أو الأزمات، فيتحول القلق إلى صورة وباء في المنام.
- لكن إن جاءت صورة الوباء في المنام هادئة، موجزة، واضحة وتركت في قلبك وقارًا أو رسالة، فتميل لأن تكون رؤيا تنبيه إلى ضرورة:
- التقرّب إلى الله.
- الاستعداد للأيام القادمة بالصبر، وحسن الخلق، والتعاون مع الناس، وعدم الظلم.
- الوباء بطبيعته يرمز إلى شيء غير مرئي، سريع الانتشار، صعب السيطرة، وهذا قريب جدًّا من:
-
معنى ذلك لحالك الشخصي
مع عدم معرفتي بتفاصيل حالك، لكن من ضوابط أهل التعبير:- الأصل أن الرؤيا لك أنت ما لم تدل الرموز صراحةً على غيرك.
- فيمكن أن يكون المعنى:
- تحذيرًا لك من الدخول في أمرٍ فيه أذى عام أو فتنة، أو مخالطة جماعةٍ على باطل.
- أو تنبيهًا لك أن تتوقّى مواطن البلاء: الظلم، أكل الحرام، أذيّة الناس، أو اتباع أهل البدع والفتنة؛ لأن النصوص ربطت الوباء بالعذاب والسلطان الجائر والحروب والبدع.
- وقد يكون تذكيرًا بأن ما تراه من ضيق وفتن حولك مكتوب ومقدّر، وأن دورك أن تثبت على طاعة الله، وتتخذ الأسباب المادية والشرعية للسلامة.
رابعًا: توجيهات عملية للرائي
-
من جهة الدين والقلب
- الإكثار من:
- الاستغفار والدعاء برفع البلاء.
- الصدقة؛ فقد ورد أنها تَدفَع البلاء.
- تجديد التوبة من مظالم العباد؛ لأن رموز الوباء والطاعون عُلِّقت كثيرًا في كتب التعبير بالعذاب من السلطان والجور والفتن.
- الإكثار من:
-
من جهة السلوك اليومي
- إن كان في محيطك جوّ من العدوى بالهموم: شائعات، تشاؤم، نشر أخبار مخيفة؛ فحاول أن:
- تقلّل التعرّض لما يزيد خوفك.
- تنشغل بما تقدر عليه من عملٍ نافع، علم، أو عبادة.
- إن كان في محيطك جوّ من العدوى بالهموم: شائعات، تشاؤم، نشر أخبار مخيفة؛ فحاول أن:
-
من جهة تقييم نوع المنام
- إن كنت كثير الانشغال فعليًّا بموضوع الأوبئة أو الأمراض أو الكوارث؛ فمن المرجّح أن يكون هذا المنام حديث نفس لا يبنى عليه شيء، وإنما هو إشارة إلى ضرورة تهدئة النفس وتقليل التوتر.
- وإن جاءك المنام على هيئة رسالة مختصرة واضحة فيها شعور بالهيبة أو التنبيه، فيُرجى أن يكون:
- تنبيهًا للرجوع إلى الله
- وتحذيرًا من الانخراط في أجواء الفتن أو الظلم أو أكل الحرام.
خلاصة جامعة
- الوباء في المنام عند النابلسي: أذى ينـزل بالناس من السلطان من سجن أو قصد بالشر.
- وعند ابن سيرين وما شابهه في باب الطاعون والبلاء: رمز لعذابٍ عام أو حرب أو مغارم من السلطان أو سفر عام في الناس.
- وعلى المستوى النفسي: صورة مكثفة للقلق من المستقبل والفتن والظروف العامة، مع فرصة للرائي أن يحوّل هذه الإشارة إلى:
- مزيد من التوبة،
- وحسن الظن بالله،
- والاستعداد للشدائد بالصبر، والأخذ بالأسباب المشروعة للحفظ والسلامة.
هذا ما يظهر في تأويل رمز "الوباء" على قدر ما ذكرتَ، والعلم عند الله تعالى.
المراجع
[1] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016)، ص. 169. ISBN: 9789953724072.
[2] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016)، ص. 166. ISBN: 9789953724072.
[3] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016)، ص. 302. ISBN: 9789953724072.
[4] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 1271-1272.
[5] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 1272-1273.
[6] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 544-545.
[7] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 510.
[8] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 1274.
[9] عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية، 2017)، ص. 510.
عن المصادر
الكتاب المنسوب لابن سيرين هو مدونة تفسيرية جُمعت عبر أجيال، ونسبتها لابن سيرين محل خلاف بين المحققين.
