تفسير النواح في المنام: دلالاته عند النابلسي وابن سيرين

معنى النواح في المنام وأبرز رموزه عند النابلسي وابن سيرين: تحذير من الفتنة وسوء التدبير، وقد يرمز للفرح بعد الحزن إذا كان مع بكاء بلا لطم وصراخ.

فريق مفاتيح المنام
8 دقيقة
النواحالنياحةتفسير الأحلامالنابلسيابن سيرين
تفسير النواح في المنام: دلالاته عند النابلسي وابن سيرين

تفسير محمد بن سيرين

وفقًا لـمحمد بن سيرين في كتابه تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان, 2016)، فإن ما ينوح من الطير في المنام يدل على أصحاب الغناء والنياحة، سواء كان الطائر ذكرًا أم أنثى [1].

تفسير عبد الغني النابلسي

وفقًا لـعبد الغني النابلسي في كتابه تعطير الأنام في تفسير الأحلام (وكالة الصحافة العربية, 2017)، فإن للنواح في المنام عدة دلالات.

يوضح النابلسي أن النواح في المنام يدل على الواعظ. ويشير إلى أن سماع النواح يدل على فتح كنيف تفوح منه رائحة منتنة. ويرى النابلسي أن النياحة قد تعني أصوات الكلاب، وأن صوت النائحة هو صوت كير النار. ويذهب النابلسي إلى أن الدفء والصنج يعتبران نواحًا.

يذكر المؤلف أن النواح ربما دل على العرس المصحوب بالمعازف والقينات. ويستثني النابلسي النواح المخنث، فلا يُحمد على أي حال.

وعند رؤية مكان يشهد نواحًا، يبيّن النابلسي أن ذلك يدل على وقوع تغير وشؤم وسوء تدبير فيه ينقطع به شمل أصحابه. ويرى النابلسي أن من رأى أنه ينوح علانية على ميت معروف، فإنه ينال مصيبة من عقبه.

ويفيد النابلسي بأن رؤية النوح على ميت أو شيء آخر مع الحزن الشديد تدل على فرح وسرور. كما يرى المؤلف أن النياحة تمثل إثارة فتنة من النائحة. وأفاد النابلسي بأنها قد تدل على الضلالة عن الهدى أو الردة عن الدين.

ثم يستدرك النابلسي بأن النواح قد يدل على المزمار، والمزمار بدوره قد يدل على النواح. وتجدر الإشارة إلى أن رؤية النائحة تدل على تقلب الأحوال، وخراب الديار، والأعمال الرديئة، مستشهدًا بحديث: "النياحة من عمل الجاهلية".

وأخيرًا، يذكر عبد الغني النابلسي أن رؤية النبي نوح عليه السلام تدل على "النوح من اسمه".

تفسير منصة مفاتيح المنام (الذكاء الاصطناعي)

التأويل الإجمالي (مختصرًا):
رمز النُّوَاح أو النِّياحة في المنام غالبًا لا يُحمد، ويميل عند أهل التعبير إلى الدلالة على الهموم، والاضطراب، وإثارة الفتن، أو فساد التدبير في المكان أو أهل البيت، وقد يُؤوَّل أحيانًا – إن اجتمع معه بكاء وحزن فقط دون لطم أو صراخ – إلى عكسه: أي تفريج الكرب وحدوث الفرح بعد الشدة، لكن الأصل فيه أنه من علامات الأحوال غير المستقيمة ويحتاج صاحبه إلى توبة وهدوء وضبط للنفس.


أولًا: تحديد الرمز ومعانيه في كتب التعبير

الرمز الذي سأبني عليه هو: النُّوَاح / النِّيَاحَة / سماع صوت النواح دون تفاصيل أخرى.

1. في تفسير النابلسي

عبد الغني النابلسي خصّص بابًا لـ "النُّوَاح"، وجاء فيه:

  • "النياحة أصوات الكلاب، وسماع النواح يدل على فتح كنيف تفوح منه الرائحة المنتنة، يدل في المنام على الواعظ، وربما كان دليلًا على العُرس بالمعازف والقينات، وصوت النائحة صوت كير النار، والدف والصنج نواح."
  • "ومن رأى موضعًا يُناح فيه وقع هناك تغير وشؤم وسوء تدبير ينقطع به شمل أصحابه، ولا يُحمد النواح المخنث على كل حال."
  • "ومن رأى أنه ينوح على ميت دلّ ذلك على فرح وسرور."
  • "والنياحة إثارة فتنة من النائحة، وربما دلّت على الضلالة عن الهدى أو الردة عن الدين... والنائحة تدل على تقلب الأحوال وخراب الديار، والأعمال الرديئة، لقوله ﷺ: (النياحة من عمل الجاهلية)."

الخلاصة من النابلسي:

  • النياحة في ذاتها رمز غير محمود في الغالب، لارتباطها بأصوات الكلاب، والنتن، والفتن، وسوء التدبير، وخراب الديار، والضلالة.
  • قد تتحول دلالتها إلى فرح وسرور إذا جاءت في صورة نياحة على ميت في المنام مع حزن وبكاء، فيكون هذا من باب انقلاب المعنى إلى ضده كما نبّه النابلسي.

2. في ضوء الحديث النبوي

استشهد النابلسي بحديث النبي ﷺ: "النياحة من عمل الجاهلية" ، وهذا يربط الرمز شرعًا بسلوكٍ مذموم؛ مما يقوّي المعنى السلبي للنواح في المنام من جهة الشرع ومقاصده.


ثانيًا: الربط بالثقافة العربية والإسلامية

في الموروث العربي والإسلامي:

  • النياحة الجهرية (رفع الصوت بالبكاء، وشقّ الجيب، ولطم الخدود، وتعديد محاسن الميت على وجه الجزع) تُعد من أعمال الجاهلية، محرّمة في الشريعة؛ ولهذا إذا ظهرت في المنام عُدَّت إشارة إلى:
    • جزعٍ زائد، أو اعتراضٍ باطن على أقدار الله.
    • اضطرابٍ في الانفعال وعدم الصبر عند البلاء.
  • كما أن أصوات النواح في المجتمعات القديمة كثيرًا ما ترتبط:
    • إمّا بالمآتم والوفيات.
    • أو بأجواء أعراس فيها معازف وقينات كما أشار النابلسي ، فيكون رمزًا لكل مجلس صخب ولهو يتجاوز الحدود الشرعية.

إجمالًا:
في لسان الشريعة والعرف، النياحة ليست مجرد بكاء، بل بكاءٌ مصحوب بسلوكيات مرفوضة، ولذلك تعكس – رمزيًا – حالةً نفسية واجتماعية غير متزنة.


ثالثًا: التأويل النفسي والحياتي الممكن

حتى مع غياب تفاصيل حلمك، يمكن استثمار هذا الرمز في قراءة حال الرائي على ضوء القواعد العامة:

  1. إشارة إلى همٍّ داخلي مكبوت أو ألمٍ عاطفي:

    • سماع النواح أو القيام به في المنام قد يرمز إلى:
      • حزنٍ عميق لم يُعطَ فرصة صحية للتعبير عنه.
      • شعور بالفقد (فقد شخص، أو فرصة، أو مكانة) لم يُعبَّر عنه إلا بطريقة نفسية مبالغ فيها.
    • العقل الباطن قد يستخدم "النواح" كصورة مكبَّرة للحزن؛ لينبّه صاحبه أن حاجته للبكاء الطبيعي، أو للفضفضة، أو للدعم النفسي مشروعة ولا ينبغي كبتها حتى تنفجر في صورة نواح داخلي.
  2. تحذير من تضخيم المشاكل والجزع:

    • إذا كان الرائي في واقع حياته يمر بابتلاء (مالي، أسري، دراسي، صحي)؛ فظهور رمز النواح يمكن أن يكون تنبيهًا:
      • ألا ينجرف وراء التهويل والجزع.
      • أن يضبط ردّ فعله، ويتذكر أن الصبر والرضا يفتحان أبواب الفرج، بخلاف التسخّط.
    • هذا يتفق مع الربط الشرعي بين النياحة والجاهلية، حيث يكون المعنى:
      "انتبه، لا تتعامل مع البلاء بعقلية الجاهلية، بل بعقلية الإيمان".
  3. إشارة إلى أجواء فوضى أو فتنة في محيط الرائي:

    • قول النابلسي: "ومن رأى موضعاً يُناح فيه وقع هناك تغير وشؤم وسوء تدبير ينقطع به شمل أصحابه"
      قد يُفهم – نفسيًا وحياتيًا – على أنه:
      • تحذير من اضطراب قادم في البيت، أو العمل، أو محيط الأصدقاء.
      • أو أن المكان الذي رأيت فيه النواح (لو وُصف في الحلم) قد يتعرض لفتنة، أو سوء إدارة، أو خلافات تفرّق من فيه.
    • فيترجح المعنى:
      الحاجة إلى حسن التدبير، وتهدئة النفوس، وتجنّب ما يثير الشقاق، خصوصًا إن كان الرائي له دور في إدارة شؤون البيت أو العمل.
  4. إشارة إلى توبة مطلوبة أو مراجعة دينية:

    • بما أن النياحة "من عمل الجاهلية" كما في الحديث، واستعملها النابلسي رمزًا لـ"الضلالة عن الهدى أو الردة عن الدين" ، فقد يُستنبط:
      • أن في حياة الرائي أمرًا غير مستقيم دينيًا:
        تفريط في صلاة، أو تساهل في حرام، أو غفلة طويلة.
      • فيأتي المنام بمشهد "النواح" ليذكّره أن طريق الانحراف نهايته ندم وحسرة وبكاء، فيستبق ذلك بتوبة صادقة.
  5. الاستثناء: النواح الذي يؤول إلى فرح وسرور:

    • النابلسي قال: "ومن رأى أنه ينوح على ميت دلّ ذلك على فرح وسرور."
    • هذا النوع من انقلاب المعنى وارد عند أهل التعبير، كأن يكون:
      • الرائي اليوم في ضيق، فيُرى في منامه كأنه ينوح بشدة على ميت، فيكون تأويله أن الله يفرّج كربه، وكأن الحزن في المنام يخرج ما في صدره من هم، فيتبعه الفرح في اليقظة.
    • من الناحية النفسية:
      • البكاء الشديد في الحلم أحيانًا يعمل كـ"تنفيس" داخلي، يُتبع في الواقع بتحسّن المزاج، أو اتخاذ قرارات إيجابية، أو حلول لمسائل كانت معلّقة.

رابعًا: توجيه ونصيحة للرائي

لأنك ذكرت فقط كلمة "النواح" دون تفاصيل، فالتعبير هنا يكون عامًّا وظنيًّا لا يُبنى عليه حكم ولا قرار مصيري، لكن يمكن أن تستفيد منه في أمور:

  1. إن كنت تمر بحزن أو ضيق:

    • أفسح مجالًا للتعبير الهادئ:
      بكاء بين يدي الله، دعاء في جوف الليل، مصارحة شخص تثق به.
    • تجنّب جلد الذات والتهويل؛ فالمنام يدعوك إلى التخفف لا إلى الزيادة في الهم.
  2. إن كان في بيتك أو عملك توتر وخلافات:

    • اجعل المنام جرس إنذار:
      راجع طريقة تدبير الأمور، واهدأ قبل اتخاذ القرارات، وابتعد عن الكلمات التي "تُشعل" النزاعات، فالنياحة في التعبير تُقارب "إثارة الفتنة" وسوء التدبير.
  3. من جهة علاقتك بالله:

    • احرص على:
      • المحافظة على الصلاة في وقتها.
      • ترك ما تعلم أنه حرام أو مشبوه.
      • الإكثار من الاستغفار، فهو مما يطفئ نار الهم والجزع.
    • واجعل هذا الرمز تذكيرًا لك ألا يكون حزنك أو غضبك سببًا في قول أو فعل يغضب الله.
  4. التفاؤل:

    • مع أن الأصل في رمز النواح غير محمود، إلا أن قاعدة أهل التعبير: "يُقدَّم وجه الخير ما أمكن"، ولهذا يمكن حمله – إذا شعرت بعده براحة – على أنه:
      • خروج من مرحلة إلى أخرى أهدأ.
      • أو بشارة بانقضاء شدة بعد أن تبلغ أوجها (كما في صورة النواح على ميت يعقبه فرح).

ختامًا:
هذا التعبير اجتهاد مبني على ما ورد في كتب أهل التعبير، خاصة تعطير الأنام للنابلسي في باب "النواح" ، وعلى ربط الرمز بمقاصد الشريعة وحال النفس.
إن رأيت أن في نفسك أو محيطك شيئًا من الفتن أو سوء التدبير أو الجزع الزائد، فاجعل هذا المنام دافعًا لمزيد من الصبر والهدوء، والتوبة، وحسن الظن بالله، وتذكّر أن الرؤيا الصادقة قد تأتي تبشيرًا أو تحذيرًا، وكلاهما من رحمة الله بعبده.

المراجع

[1] محمد بن سيرين، تفسير الاحلام الكبير (دار الارقم بن ابي الارقم - بيروت / لبنان، 2016). ISBN: 9789953724072.


عن المصادر

الكتاب المنسوب لابن سيرين هو مدونة تفسيرية جُمعت عبر أجيال، ونسبتها لابن سيرين محل خلاف بين المحققين.